حدثت تغيرات نوعية في البيئة الاقتصادية العالمية ساعدت على تزايد أعداد هذه المراكز حول العالم، أهمها انتقال ثقل الأنشطة الاقتصادية العالمية جزئياً من الغرب باتجاه الشرق لاسيما الصين والهند والدول النامية الأخرى ذات الاقتصادات الصاعدة وازدياد الطلب على الموارد الطبيعية من أسواق غير تقليدية مثل الشرق الأوسط وأمريكا اللاتينية وروسيا . فكان أن ترتب على هذا حدوث تحول في السيولة والثروة هو الأعمق منذ مائة عام . ومع تراخي القيود التجارية في عدد من الدول النامية وانخفاض كلفة رأس المال، تكاثرت أعداد المراكز المالية العالمية . فلم تعد حركة رؤوس الأموال واتجاهاتها قصراً على المراكز المالية التقليدية وإنما هي تشعبت باتجاه الأسواق الصاعدة وفيما بينها، حيث تضاعفت العمليات التي يقوم بها المستثمرون بعدما نوّعوا تحركاتهم لتغطي كافة مراكز المال العالمية التي تتبادل أدوار المناوبة على مدار الساعة .
ومع أن مدينتي نيويورك ولندن تبقيان أكبر وأهم مراكز المال في العالم لا يستطيع أي مركز أن يضاهيهما، حيث تحتفظ نيويورك بالمركز الأول عالمياً بين مراكز المال العالمية، تليها مدينة لندن (في السنة قبل الماضية تخطت لندن نيويورك)، إلا أن مدناً جديدة استطاعت أن تبني لها شهرة عالمية طاغية يمكن أن تسرق الأضواء من الكبار .
وهذا لا ينطبق على الجميع بطبيعة الحال، فليس كل المراكز المالية التي حاولت الظهور وأن تشق طريقها للشهرة، امتلكت حظوظ النجاح نفسها التي امتلكها بعضها القليل جداً وحاز بواسطتها صفة العالمية كما هو حال نيويورك ولندن، المركزين اللذين يتميزان بما يسمى محطة التسوق الواحدة الشاملة، من غير المتصور ألاّ يكون لأي شركة عالمية تمثيل فيهما، حيث يتوفران على كافة أنواع المنتجات الاستثمارية، من بنوك الاستثمار إلى التأمين، إلى الأسهم والسندات، إلى المشتقات وغيرها . والذي يميز نيويورك ولندن عن غيرهما على الرغم من فداحة الأزمة التي تعرضا إليها، هو توفرهما على أفضل الكوادر والكفاءات المالية العالمية بوفرة، وتمتعهما بفرص النفاذ إلى رأس المال، والبنية الأساسية، وبنية تشريعية وأنظمة ضريبية جاذبة ومستوى جيد من الشفافية .
وإذا كانت هونج كونج تحل ثالثة في ترتيب أكبر مراكز المال العالمية بعد نيويورك ولندن فقد دخلت مدن جديدة على الخط في السنوات القليلة الماضية مثل دبي وقطر اللتين تخصصتا في ما يسمى أساسيات التمويل والبحرين التي تخصصت في الصيرفة الإسلامية، بجانب المراكز التي اجتهدت لبناء شهرتها العالمية مثل طوكيو وسيدني وسنغافورة وجنيف (الصيرفة الخاصة) وزيورخ وبرمودا (التأمين وإعادة التأمين) وشيكاغو (الأسواق المستقبلية والخيارات الاستثمارية) .
والواقع أن التكالب على تأسيس المراكز المالية وبناء شهرتها العالمية يعود على الدولة الطامحة بعوائد وفيرة، مثل توفيرها للوظائف ذات الأجور العالية، وتزويد الخزينة بحصيلة وفيرة من عوائد الرسوم والضرائب والتمتع بشبكة علاقات دولية . ولذلك ترتفع مساهمة القطاع المالي في كل من نيويورك وهونج كونج إلى أكثر من ثلث عوائد خزينة ميزانية المدينتين . بينما هي تستوعب شريحة رئيسية من قوة العمل في بلدان أخرى .
ونتيجة لتعمق عولمة بورصات المال نتيجة لاتساع نطاق حركة رؤوس الأموال الساخنة، وارتفاع سخونة المنافسة بين المراكز المالية العالمية، إذ سارع عدد من صناع السوق للتكامل والاندماج مع بعضها، مثلما حصل مع لندن ستوك اكستشينج التي اندمجت مع بورصا ايطاليا (سوق إيطاليا الرئيسية)، واندماج داتش بورصة مع انترناشيونال سيكيوريتيز اكستشينج في نيويورك .
واليوم وفي ظل الأزمة الاقتصادية العالمية التي اندلعت شرارتها الأولى في أكبر مراكز المال العالمية وهي نيويورك، والتي كان لهذه المراكز، لاسيما الرئيسية منها، حصتها في انضاج وتفخيخ وانفجار الأزمة، فإن مكانة وسمعة 46 مركزاً مالياً متوزعة على امتداد الكرة الأرضية، تتعرض لأكبر تحد تواجهه ربما منذ تأسيسها وذيوع وتكرس شهرتها العالمية